سيف الله
2007-11-30, 08:08 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سورة النور ودورها في بناء الأسرة المسلمة
الجزء الأول
الحمد لله الذي أمرنا بالقول الطيب وحذرنا من فحش القول والطعن في أعراض المؤمنات الغافلات، أحمده سبحانه وتعالى واستغفره من جميع الأوزار والسيئات وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يسبحه كل شيء في الأرض والسموات وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله حذرنا من تتبع العورات ومن أطلاق العنان لألسنتنا بدون حزم أو إثبات، صلى الله وسلم عليك يا خير معلم ومرشد وعلى آلك وصحبك ومن تبع هديك وقتفى أثرك إلى يوم الدين، أما بعد .. عباد الله .. اتقوا الله وعلموا أن الله سبحانه وتعالى يقول : ((مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ق : 18 .
أيها الإخوة المؤمنون : موضوعنا اليوم عن أحد سور القرآن الكريم والتي تميزت بالحفاظ الشديد على كرامة الأسرة وقيمة العرض ودعمت جانب الشرف، وفصلت ما ينبغي أن يلزمه المجتمع كي يحافظ على حرمات الله وحقوق الناس ورسمت التقاليد الجنسية والاجتماعية صوراً دقيقة، ألزمت المؤمنين بها ووقفتهم عند حدود الله فيها .
إنها سورة النور، نعيش اليوم في تدبر بعض آياتها لعلنا نستفيد، فالسورة أربع وستون آية وهي سورة جليلة تحتوي على كل أساسات العقيدة والشريعة ومع أن سور القرآن كلها منزلة من عند الله ومعروف أنها سور، إلا أن هذه السورة وحدها دون سورة القرآن كلها تميزت بهذا البدء ))سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)) النور : 1 ، والسبب في ذلك أن السورة تدور حول مشكلات الغريزة الجنسية وهي من أعتى الغرائز وأقواها ولما كان ضبط هذه الغريزة في مسارها وانطلاقها، لا بد منه لضمان نفس شريفة، وخلق مستقيم، وعفة شاملة، ومجتمع نقي طهور، فإن السورة بدأت هكذا، ولا بد أن نعلم ابتداء أن الإسلام دين الفطرة أي دين الطبيعة السوية المستقيمة، يرفض التكلف والافتعال، وما أنزل الله من تعاليم في هذا الدين القيم هو لضبط الفطرة، وضمان أن تسير سيراً حسنا، لهذا كان للغريزة الجنسية تعاليم واضحة في هذا الدين، وكان لانحرافاتها عقوبات محددة في هذا الدين.
وسورة النور تتحدث عن احترام الغريزة وضبطها حتى لا تنحرف يمنة أو يسرة، ثم التخويف لمن يدع حدود الله أو يترك العقوبات التي قُررت تقريراً حاسماً في هذه السورة المباركة.
أخوتي في الله : إن القرآن الكريم لم يعتبر الغريزة الجنسية رجساً من عمل الشيطان، وجعل المتنفس الوحيد لها الزواج ((وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ)) المؤمنون : 5 ، 7 ، واعتبر الزواج عبادة، بل جاء في السنة أنه نصف الدين. فالزواج يا عباد الله .. فريضة اجتماعية لا بد أن تتواصى الأمة الإسلامية بتيسيرها، لكن ذلك متروك للوعي العام والضمير المؤمن، وقد جاءت آيات في هذه السورة تتحدث إلى أولياء الفتيات وجاءت أيضاً تتحدث إلى من يريد الزواج، أو من يقدر عليه ويطلبه، في الآيات الأولى نقرأ قوله تعالى : ((وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)) النور : 32 ، فهذا التقدير لا يمكن أن يُبت فيه قانون إنما الذي يبت فيه مجتمع مؤمن، والذي يبت فيه رجال يتقون الله ويريدون أن يشعوا العفة والقناعة في المجتمع، وإلى أن يتزوج طالب الزواج وإلى أن يستكمل دينه، ماذا يصنع، يقول الله تعالى ((وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ(( النور : 33 ، فلا بد أن يستعفف، وعبارة الاستعفاف تعطي أن المرء يتكلف أو يعاني أو يتعب نفسه، ولا بد من ذلك في كبح الهوى وضبط الغريزة التي تحتاج إلى إرادة حديدية، وهنا نجد أن الإسلام حارب الانحراف الجنسي ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)) النور : 27. قال أحد السلف إذا سمعت الآية تقول (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا )) فأعرها سمعك ، فإما خير تؤمر به أو شر تنهى عنه، هذا النداء يستثير الإيمان، لأن الإيمان هو الذي يخلق الضمير اليقضان الحي، الذي يجعل الإنسان إذا قرع بيتاً ولم يجد الرجل فيه يرجع من حيث جاء، لا يجوز اقتحام بيت ليس فيه صاحبه، لا يجوز ديناً ولا مروءة، واقتحام البيت وفيه المرأة وحدها، فإن للبيوت حصنها، وينبغي أن تبقى في هذا الحصن مصونة، والإسلام يرفض كل تقليد اجتماعي يتواضع الناس عليه لجعل الخلوة بالمرأة ممكنة، يرفض الإسلام هذا لأنه بذلك يسدُ أبواب الفتنة.
ثم توجيه آخر لا بد منه وهو غض البصر، فإن الإنسان، إذا أرسل عينه تتلصص على الأعراض من هناء أو من هنا، فإنه يفتح أبواب الشر على نفسه (( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)) النور : 30. كما وجه سبحانه توجيه ثالث للمؤمنات وهو منع المثيرات الحسية، والإسلام عندما يأمر بالعفة وعندما ينهى عن الفحش فهو يسد الطريق أمام المثيرات ينزلق بعدها القدم ، لهذا كانت السورة كما قلنا في أول حديثنا أنها سورة آداب جنسية، إلى جانب أنها ضمانات وحصانات للأعراض وللشرف وللقيم، من ذلك في أول السورة وآخرها آداب الاستئذان، ففي أول السورة (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ )) النور : 27 ، 28 ، وفي آخر السورة يقول تعالى (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )) النور : 28 ، 29 ،إن الأولاد في البيت ينبغي أن يُعلموا أدب الدخول في الغرف، ينبه على الأطفال في أوقات معينة أن لا يدخلوا في الغرف إلا بعد استئذان واضح، هذا أدب إسلامي ينبغي أن يعرفه المسلمون وإن يلتزموه، هذا أدب إسلامي لا ينبغي أن نتجاهله لأنه من ضوابط العرض، وصيانة الشرف، التي تُربى عليها الأسرة الإسلامية، فماذا حدث بعد ذلك أحد، فإن العقوبة الإسلامية هي الجلد بإجماع المسلمين، يُجلد الزاني الذي لم يحصن أي لم يتزوج، ورجم المحصن، والآية في هذا واضحة ((الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ )) النور : 2 ، والجلد عقوبة للإنسان إذا هبط عن منزلة العقل والضمير وار تكس في حمأة الشهوة وأصبح منقاداً لغريزته الحيوانية فإنه يتعرض للعقوبة إذ يسطوا على عرض كان ينبغي أن يصونه إذا ينتهك حرمات الله ، كان ينبغي أن يحفظها وأن يرعاها ، ورجم الزاني والزانية ما داما محصنين .
فاتقوا الله عباد الله في أقوالكم وأفعالكم ولا يغوينكم الشيطان فتكونوا من الخاسرين، وفي الجزء الثاني سنكمل آيات هذه السورة العظيمة، أقول ما تسمعون ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
يتبع
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سورة النور ودورها في بناء الأسرة المسلمة
الجزء الأول
الحمد لله الذي أمرنا بالقول الطيب وحذرنا من فحش القول والطعن في أعراض المؤمنات الغافلات، أحمده سبحانه وتعالى واستغفره من جميع الأوزار والسيئات وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يسبحه كل شيء في الأرض والسموات وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله حذرنا من تتبع العورات ومن أطلاق العنان لألسنتنا بدون حزم أو إثبات، صلى الله وسلم عليك يا خير معلم ومرشد وعلى آلك وصحبك ومن تبع هديك وقتفى أثرك إلى يوم الدين، أما بعد .. عباد الله .. اتقوا الله وعلموا أن الله سبحانه وتعالى يقول : ((مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ق : 18 .
أيها الإخوة المؤمنون : موضوعنا اليوم عن أحد سور القرآن الكريم والتي تميزت بالحفاظ الشديد على كرامة الأسرة وقيمة العرض ودعمت جانب الشرف، وفصلت ما ينبغي أن يلزمه المجتمع كي يحافظ على حرمات الله وحقوق الناس ورسمت التقاليد الجنسية والاجتماعية صوراً دقيقة، ألزمت المؤمنين بها ووقفتهم عند حدود الله فيها .
إنها سورة النور، نعيش اليوم في تدبر بعض آياتها لعلنا نستفيد، فالسورة أربع وستون آية وهي سورة جليلة تحتوي على كل أساسات العقيدة والشريعة ومع أن سور القرآن كلها منزلة من عند الله ومعروف أنها سور، إلا أن هذه السورة وحدها دون سورة القرآن كلها تميزت بهذا البدء ))سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)) النور : 1 ، والسبب في ذلك أن السورة تدور حول مشكلات الغريزة الجنسية وهي من أعتى الغرائز وأقواها ولما كان ضبط هذه الغريزة في مسارها وانطلاقها، لا بد منه لضمان نفس شريفة، وخلق مستقيم، وعفة شاملة، ومجتمع نقي طهور، فإن السورة بدأت هكذا، ولا بد أن نعلم ابتداء أن الإسلام دين الفطرة أي دين الطبيعة السوية المستقيمة، يرفض التكلف والافتعال، وما أنزل الله من تعاليم في هذا الدين القيم هو لضبط الفطرة، وضمان أن تسير سيراً حسنا، لهذا كان للغريزة الجنسية تعاليم واضحة في هذا الدين، وكان لانحرافاتها عقوبات محددة في هذا الدين.
وسورة النور تتحدث عن احترام الغريزة وضبطها حتى لا تنحرف يمنة أو يسرة، ثم التخويف لمن يدع حدود الله أو يترك العقوبات التي قُررت تقريراً حاسماً في هذه السورة المباركة.
أخوتي في الله : إن القرآن الكريم لم يعتبر الغريزة الجنسية رجساً من عمل الشيطان، وجعل المتنفس الوحيد لها الزواج ((وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ)) المؤمنون : 5 ، 7 ، واعتبر الزواج عبادة، بل جاء في السنة أنه نصف الدين. فالزواج يا عباد الله .. فريضة اجتماعية لا بد أن تتواصى الأمة الإسلامية بتيسيرها، لكن ذلك متروك للوعي العام والضمير المؤمن، وقد جاءت آيات في هذه السورة تتحدث إلى أولياء الفتيات وجاءت أيضاً تتحدث إلى من يريد الزواج، أو من يقدر عليه ويطلبه، في الآيات الأولى نقرأ قوله تعالى : ((وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)) النور : 32 ، فهذا التقدير لا يمكن أن يُبت فيه قانون إنما الذي يبت فيه مجتمع مؤمن، والذي يبت فيه رجال يتقون الله ويريدون أن يشعوا العفة والقناعة في المجتمع، وإلى أن يتزوج طالب الزواج وإلى أن يستكمل دينه، ماذا يصنع، يقول الله تعالى ((وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ(( النور : 33 ، فلا بد أن يستعفف، وعبارة الاستعفاف تعطي أن المرء يتكلف أو يعاني أو يتعب نفسه، ولا بد من ذلك في كبح الهوى وضبط الغريزة التي تحتاج إلى إرادة حديدية، وهنا نجد أن الإسلام حارب الانحراف الجنسي ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)) النور : 27. قال أحد السلف إذا سمعت الآية تقول (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا )) فأعرها سمعك ، فإما خير تؤمر به أو شر تنهى عنه، هذا النداء يستثير الإيمان، لأن الإيمان هو الذي يخلق الضمير اليقضان الحي، الذي يجعل الإنسان إذا قرع بيتاً ولم يجد الرجل فيه يرجع من حيث جاء، لا يجوز اقتحام بيت ليس فيه صاحبه، لا يجوز ديناً ولا مروءة، واقتحام البيت وفيه المرأة وحدها، فإن للبيوت حصنها، وينبغي أن تبقى في هذا الحصن مصونة، والإسلام يرفض كل تقليد اجتماعي يتواضع الناس عليه لجعل الخلوة بالمرأة ممكنة، يرفض الإسلام هذا لأنه بذلك يسدُ أبواب الفتنة.
ثم توجيه آخر لا بد منه وهو غض البصر، فإن الإنسان، إذا أرسل عينه تتلصص على الأعراض من هناء أو من هنا، فإنه يفتح أبواب الشر على نفسه (( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)) النور : 30. كما وجه سبحانه توجيه ثالث للمؤمنات وهو منع المثيرات الحسية، والإسلام عندما يأمر بالعفة وعندما ينهى عن الفحش فهو يسد الطريق أمام المثيرات ينزلق بعدها القدم ، لهذا كانت السورة كما قلنا في أول حديثنا أنها سورة آداب جنسية، إلى جانب أنها ضمانات وحصانات للأعراض وللشرف وللقيم، من ذلك في أول السورة وآخرها آداب الاستئذان، ففي أول السورة (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ )) النور : 27 ، 28 ، وفي آخر السورة يقول تعالى (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )) النور : 28 ، 29 ،إن الأولاد في البيت ينبغي أن يُعلموا أدب الدخول في الغرف، ينبه على الأطفال في أوقات معينة أن لا يدخلوا في الغرف إلا بعد استئذان واضح، هذا أدب إسلامي ينبغي أن يعرفه المسلمون وإن يلتزموه، هذا أدب إسلامي لا ينبغي أن نتجاهله لأنه من ضوابط العرض، وصيانة الشرف، التي تُربى عليها الأسرة الإسلامية، فماذا حدث بعد ذلك أحد، فإن العقوبة الإسلامية هي الجلد بإجماع المسلمين، يُجلد الزاني الذي لم يحصن أي لم يتزوج، ورجم المحصن، والآية في هذا واضحة ((الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ )) النور : 2 ، والجلد عقوبة للإنسان إذا هبط عن منزلة العقل والضمير وار تكس في حمأة الشهوة وأصبح منقاداً لغريزته الحيوانية فإنه يتعرض للعقوبة إذ يسطوا على عرض كان ينبغي أن يصونه إذا ينتهك حرمات الله ، كان ينبغي أن يحفظها وأن يرعاها ، ورجم الزاني والزانية ما داما محصنين .
فاتقوا الله عباد الله في أقوالكم وأفعالكم ولا يغوينكم الشيطان فتكونوا من الخاسرين، وفي الجزء الثاني سنكمل آيات هذه السورة العظيمة، أقول ما تسمعون ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
يتبع