المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : سورة النور ودورها في بناء الأسرة المسلمة



سيف الله
2007-11-30, 08:08 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
سورة النور ودورها في بناء الأسرة المسلمة
الجزء الأول
الحمد لله الذي أمرنا بالقول الطيب وحذرنا من فحش القول والطعن في أعراض المؤمنات الغافلات، أحمده سبحانه وتعالى واستغفره من جميع الأوزار والسيئات وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يسبحه كل شيء في الأرض والسموات وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله حذرنا من تتبع العورات ومن أطلاق العنان لألسنتنا بدون حزم أو إثبات، صلى الله وسلم عليك يا خير معلم ومرشد وعلى آلك وصحبك ومن تبع هديك وقتفى أثرك إلى يوم الدين، أما بعد .. عباد الله .. اتقوا الله وعلموا أن الله سبحانه وتعالى يقول : ((مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)) ق : 18 .
أيها الإخوة المؤمنون : موضوعنا اليوم عن أحد سور القرآن الكريم والتي تميزت بالحفاظ الشديد على كرامة الأسرة وقيمة العرض ودعمت جانب الشرف، وفصلت ما ينبغي أن يلزمه المجتمع كي يحافظ على حرمات الله وحقوق الناس ورسمت التقاليد الجنسية والاجتماعية صوراً دقيقة، ألزمت المؤمنين بها ووقفتهم عند حدود الله فيها .
إنها سورة النور، نعيش اليوم في تدبر بعض آياتها لعلنا نستفيد، فالسورة أربع وستون آية وهي سورة جليلة تحتوي على كل أساسات العقيدة والشريعة ومع أن سور القرآن كلها منزلة من عند الله ومعروف أنها سور، إلا أن هذه السورة وحدها دون سورة القرآن كلها تميزت بهذا البدء ))سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)) النور : 1 ، والسبب في ذلك أن السورة تدور حول مشكلات الغريزة الجنسية وهي من أعتى الغرائز وأقواها ولما كان ضبط هذه الغريزة في مسارها وانطلاقها، لا بد منه لضمان نفس شريفة، وخلق مستقيم، وعفة شاملة، ومجتمع نقي طهور، فإن السورة بدأت هكذا، ولا بد أن نعلم ابتداء أن الإسلام دين الفطرة أي دين الطبيعة السوية المستقيمة، يرفض التكلف والافتعال، وما أنزل الله من تعاليم في هذا الدين القيم هو لضبط الفطرة، وضمان أن تسير سيراً حسنا، لهذا كان للغريزة الجنسية تعاليم واضحة في هذا الدين، وكان لانحرافاتها عقوبات محددة في هذا الدين.
وسورة النور تتحدث عن احترام الغريزة وضبطها حتى لا تنحرف يمنة أو يسرة، ثم التخويف لمن يدع حدود الله أو يترك العقوبات التي قُررت تقريراً حاسماً في هذه السورة المباركة.
أخوتي في الله : إن القرآن الكريم لم يعتبر الغريزة الجنسية رجساً من عمل الشيطان، وجعل المتنفس الوحيد لها الزواج ((وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ)) المؤمنون : 5 ، 7 ، واعتبر الزواج عبادة، بل جاء في السنة أنه نصف الدين. فالزواج يا عباد الله .. فريضة اجتماعية لا بد أن تتواصى الأمة الإسلامية بتيسيرها، لكن ذلك متروك للوعي العام والضمير المؤمن، وقد جاءت آيات في هذه السورة تتحدث إلى أولياء الفتيات وجاءت أيضاً تتحدث إلى من يريد الزواج، أو من يقدر عليه ويطلبه، في الآيات الأولى نقرأ قوله تعالى : ((وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)) النور : 32 ، فهذا التقدير لا يمكن أن يُبت فيه قانون إنما الذي يبت فيه مجتمع مؤمن، والذي يبت فيه رجال يتقون الله ويريدون أن يشعوا العفة والقناعة في المجتمع، وإلى أن يتزوج طالب الزواج وإلى أن يستكمل دينه، ماذا يصنع، يقول الله تعالى ((وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحاً حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ(( النور : 33 ، فلا بد أن يستعفف، وعبارة الاستعفاف تعطي أن المرء يتكلف أو يعاني أو يتعب نفسه، ولا بد من ذلك في كبح الهوى وضبط الغريزة التي تحتاج إلى إرادة حديدية، وهنا نجد أن الإسلام حارب الانحراف الجنسي ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)) النور : 27. قال أحد السلف إذا سمعت الآية تقول (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا )) فأعرها سمعك ، فإما خير تؤمر به أو شر تنهى عنه، هذا النداء يستثير الإيمان، لأن الإيمان هو الذي يخلق الضمير اليقضان الحي، الذي يجعل الإنسان إذا قرع بيتاً ولم يجد الرجل فيه يرجع من حيث جاء، لا يجوز اقتحام بيت ليس فيه صاحبه، لا يجوز ديناً ولا مروءة، واقتحام البيت وفيه المرأة وحدها، فإن للبيوت حصنها، وينبغي أن تبقى في هذا الحصن مصونة، والإسلام يرفض كل تقليد اجتماعي يتواضع الناس عليه لجعل الخلوة بالمرأة ممكنة، يرفض الإسلام هذا لأنه بذلك يسدُ أبواب الفتنة.
ثم توجيه آخر لا بد منه وهو غض البصر، فإن الإنسان، إذا أرسل عينه تتلصص على الأعراض من هناء أو من هنا، فإنه يفتح أبواب الشر على نفسه (( قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ)) النور : 30. كما وجه سبحانه توجيه ثالث للمؤمنات وهو منع المثيرات الحسية، والإسلام عندما يأمر بالعفة وعندما ينهى عن الفحش فهو يسد الطريق أمام المثيرات ينزلق بعدها القدم ، لهذا كانت السورة كما قلنا في أول حديثنا أنها سورة آداب جنسية، إلى جانب أنها ضمانات وحصانات للأعراض وللشرف وللقيم، من ذلك في أول السورة وآخرها آداب الاستئذان، ففي أول السورة (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ )) النور : 27 ، 28 ، وفي آخر السورة يقول تعالى (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ * وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ )) النور : 28 ، 29 ،إن الأولاد في البيت ينبغي أن يُعلموا أدب الدخول في الغرف، ينبه على الأطفال في أوقات معينة أن لا يدخلوا في الغرف إلا بعد استئذان واضح، هذا أدب إسلامي ينبغي أن يعرفه المسلمون وإن يلتزموه، هذا أدب إسلامي لا ينبغي أن نتجاهله لأنه من ضوابط العرض، وصيانة الشرف، التي تُربى عليها الأسرة الإسلامية، فماذا حدث بعد ذلك أحد، فإن العقوبة الإسلامية هي الجلد بإجماع المسلمين، يُجلد الزاني الذي لم يحصن أي لم يتزوج، ورجم المحصن، والآية في هذا واضحة ((الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ )) النور : 2 ، والجلد عقوبة للإنسان إذا هبط عن منزلة العقل والضمير وار تكس في حمأة الشهوة وأصبح منقاداً لغريزته الحيوانية فإنه يتعرض للعقوبة إذ يسطوا على عرض كان ينبغي أن يصونه إذا ينتهك حرمات الله ، كان ينبغي أن يحفظها وأن يرعاها ، ورجم الزاني والزانية ما داما محصنين .
فاتقوا الله عباد الله في أقوالكم وأفعالكم ولا يغوينكم الشيطان فتكونوا من الخاسرين، وفي الجزء الثاني سنكمل آيات هذه السورة العظيمة، أقول ما تسمعون ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم .
يتبع

سيف الله
2007-11-30, 08:15 PM
بسم الله الرحمن الرحيم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته سورة النور ودورها في بناء الأسرة المسلمة الجزء الثاني الحمد لله رب العالمين، أعزنا بالإسلام وجعلنا به خير أمة أخرجت للناس وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وهو رب الناس، ملك الناس،إله الناس، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله إلى جميع الناس، وجعل شريعته باقية لجميع الأجناس، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين آمنوا به واتبعوه ونشروا دينه وبلغوه وسلم تسليماً كثيراً، وبعد : ((اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ))آل عمران: من الآية102، واعلموا أن العاقبة للمتقين عباد الله : يقول الله عز وجل (( إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ )) الرعد : 11 . يا أخوتي المسلمون : من دين الإسلام تستمد الأحكام، وبدين الإسلام تستقيم الأحوال وترتفع الأعلام ، شئون الأمة فردية كانت أو جماعية، مادية أو معنوية، أخلاقية أم جنائية، كلها محكومة بدين الله . عباد الله : تستمر السورة العظيمة بسرد الآداب الجنسية، والأحكام الشرعية، تستمد منها ضمانات وصيانة للإنسانية في أعراضها، فإلى جانب صيانة الأسر عن طريق منع العمل الردى، فإن الأسر يجب أن تصان عن طريق رفض أي اتهام لا يليق، والإسلام في هذا كان حاسماً، وهي قذف المحصنات المؤمنات الغافلات، ذلك يا عباد الله .. إن خطر اللسان على الفرد والمجتمع أخطر من قنبلة مدمرة على الشعوب والأوطان، لأنها تعمل بسرعة في نسف العواطف، أسرع من صاروخ في نسف المدن والمنازل، فمن قذف إنساناً بالزنا أو قذف أصله، أو قذف فرعه الذي يتصل به، أو نفى النسب عن شخص ما ((إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ )) النور : 19 ، فأين المسلمين من الوعيد الشديد في هؤلاء المتفرغين لهذه الخصلة الذميمة، الذين جعلوها ديدناً لهم. وألفاظه قسمان : صريح وكناية، فالصريح هو ما لا يحمل غيره من المعاني الأخرى. كأن قال شخص لآخر والعياذ الله يا زاني، أو يا عاهر، أو يا لوطي، أو يا ولد الحرام، أو عائلة فلان غير إشراف بتهمة الفسق، أو فلانه تخون زوجها على فراشه، أو يحملها أي إنسان في سيارته لقضاء حاجته، أو أي كلام ينم عن الاتهام المباشر في عرض المرء وشرفه وجرح كرامته . أما القسم الآخر وهو كناية : بأن يقول المرء فلانة فاجرة، وفلانه خبيثة، أو فلانه فضحت زوجها، أو أفسدت فراشه، وهذا القذف لا يفيد اختصاص القذف بالنساء، فإن قذف الرجال له حكم قذف النساء، ولا فرق بين قذف الذكر والأنثى في وجوب حد القذف. وعليه فقد جعل الإسلام عقوبة القاذف اللعن والطرد من رحمته في الدنيا والآخرة، وتوعده الله بالعذاب الأليم وأوجب أن يعاقب هذا الثرثار بعقوبات ثلاث لم يجمعها على مقترف أحداً سواه، وتطبق في حقه هذه العقوبات الثلاث متى ما كان كاذباً وكان هؤلاء الناس أبرياء مما قذفهم فيه، أو رماهم وقذفهم بمجرد إشاعة الناس ولم يشاهد هو بعينه أو يسمع بأذنيه، وإنما سمع إشاعة الناس، فزاد هو الطين بلة وأراد توسيع الدعايات أكثر، حُباً في تلويث سمعتهم وجرحاً لشعورهم، وإهانة لكرامتهم . العقوبة الأولى : الجلد ثمانين جلدة كما قال تعالى(( فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً )) النور: من الآية4 العقوبة الثانية : أدبية معنوية وهي رد شهادته وإسقاط اعتباره بين الناس، وهذه العقوبة تتعلق باللسان الذي هو آلة جريمة القذف، كما قال سبحانه((وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً )) النور: من الآية4 . أما العقوبة الثالثة : دينية ، فالقاذف فاسق خارج عن طاعة الله ومتجاوز للحدود، فكأنه هو وحده المستحق لإطلاق اسم الفسوق عليه، ولا غيره من الفسقة، يقول تعالى(( وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ))، ومجمل الآية التي ورد فيها عقوبة القذف، قال تعالى : (( وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ )) النور :4 فقد نفذ هذا العقاب فيمن تطاول على مقام أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، فإن بعض الناس تسافه ووقع في شراك أحد المنافقين الذين يكرهون النبي  ويضيقون بدعوة الحق التي بعث بها، وحاولوا في خبث وخسة أن ينالوا من مكانة البيت النبوي، فأشاعوا عن السيدة عائشة رضوان الله عليها كلاماً هي منه بريئة، وقد نزلت براءتها من عند ذي العرش جل جلاله، وبين أنها أعظم من أن تُلِم بهذا وأكبر من أن يلاك عرضها على هذا النحو، وقيل للمؤمنين في هذا كلام ينبغي أن يعرفوه وأن يحفظوه، أنزل الله آية تتضمن براءتها رضي الله عنها ، فقال تعالى (( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْأِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ )) النور : 11 ، ثم يؤدب الناس ، فقال تعالى : (( لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ * لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ )) النور : 12 ، 13. تلك الأحكام التي تقررت فيما يتصل بالانحرافات الجنسية، وبالتهم التي لا ينبغي أن تجري على لسان مسلم يحافظ على الأعراض، وهذه الأحكام التي تضمنتها سورة النور ينبغي أن نرعاها وأن نحافظ عليها. فالسورة لم تنتهي بعد فهي سورة شاملة للأحكام الشرعية فيما يحفظ للإنسان كرامته وصيانة لعرضه، فبعد هذه الآيات تضمن السورة آيات أخرى، آيات إيمانية، وأخرى سلوكية، وتحتاج إلى مواضيع عديدة فنكتفي بما كتبنا جعلنا الله وإياكم ممن ((يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ )) ، وأن يجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين، أسأل الله جل وعلا أن لا يميتنا بعقوبته، أسأل الله جل وعلا أن لا يعذبنا بعقوبته، أسأل الله أن لا يجعل ذلك بذنوبنا على خلقه، اللهم إن أردت بفساق العباد فتنة فخذنا إليك غير خزايا ولا مفتونين، اللهم ردنا إليك رداً جميلاً ، اللهم اختم بالسعادة آجالنا، واختم بالشهادة آجالنا، واقرن بالعافية غدونا وآصالنا، وجعل اللهم إلى جنتك مصيرنا ومآلنا، اللهم أعز الإسلام والمسلمين ، اللهم دمر أعداء الدين ، اللهم آمنا في أوطاننا وجميع بلاد المسلمين ، اللهم لا تدع لنا ذنباً إلا عرفته ولا هم إلا فرجته ولا ديناً إلا قضيته ،ولا مبتلاً إلا عافيته، ولا مريضاً ،إلا شفيته، ولا حيراناً إلا دللته ، ولا أيم إلا زوجته، ولا ميتاً إلا رحمته برحمتك يا أرحم الراحمين ، اللهم ادفع عنا الغلاء والوباء والربا والزنا والزلازل والمحن والفواحش والفتن، ما ظهر منها وما بطن، يا حي يا قيوم يا الله